عبد الله الأنصاري الهروي
232
منازل السائرين ( شرح التلمساني )
قوله : لأنّها السّبيل / إلى معرفة المنعم ، يعني : أنّه إذا عرف النّعمة تسبّب في التعرّف إلى المنعم ، فسلك طريق التعرّف إليه ، وجدّ في الطّلب ، ومن جدّ وجد . ومعاني الشّكر ثلاثة أشياء : معرفة النّعمة ، ثمّ قبول النّعمة ، ثمّ الثّناء بها ، وهو أيضا من سبل العامّة . ( 1 ) معرفة النّعمة هو إحضارها في الخاطر ، وتمييزها في الذهن ، بحيث يتميّز أنّها نعمة ، فربّ جاهل يحسن إليه وهو لا يدري ، فلا جرم أنّه لا يصحّ منه الشّكر . قوله : ثمّ قبول النّعمة ، قبول النّعمة هو تلقّيها من المنعم بإظهار الفقر والفاقة إليها ، فإنّ ذلك شاهد بقبولها حقيقة . قوله : ثمّ الثّناء بها ، أي يصف المنعم بالجود والكرم وشبه ذلك ممّا يدلّ على حسن تلقّيك لإنعامه واعترافك له بنزول مقامك في الرّتبة عن مقامه ، فإنّ اليد العليا خير من اليد السفلى مطلقا . قوله : وهو أيضا من سبل العامّة ، أي ، والشّكر أيضا مثل التوكّل في كونه من طرق العامّة ، فإنّ السّبيل في اللّغة هي الطّريق ، وإنّما كان الشّكر من طرق العامّة ، لأنّ فيه دعوى وهي كونه شكر الحقّ على العامّة ، فلو تحقّق أنّ الحقّ تعالى تصرّف في ملكه ، ولو أنّ السّلطان مثلا كسا عبدا من عبيده ثوبا ، فشرع يشكر السّلطان على ذلك لأخطأ ، ولكان ذلك سوء أدب منه ، فإنّ الشّكر من العبد يدلّ على أنّه يصلح أن يكافي السّلطان ، فإنّ الشّكر مكافأة ، والعبد أصغر قدرا من المكافأة ، وأيضا فإنّ الشّهود يقتضي اتّحاد نسبة الأخذ والعطاء ، ورجوعهما إلى قوّة القويّ المتين تعالى ، فالخاصّة يسقط عندهم الشّكر بالشّهود ، ويتعيّن عليهم ما هو أعلى منه .